
ثمّة لحظة غريبة تسبق صعودك لاستلام جائزة: تسمع اسمك يُنادى، فتدرك فجأة أنه ليس اسمك وحده. هكذا شعرتُ حين تشرّفتُ بنيل جائزةٍ من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC) بصفتي رائدَ أعمالٍ اجتماعيًّا، تقديرًا لجهودي في الريادة المجتمعية. فالاسم المحفور على الدرع اختصارٌ مخلٌّ لأسماء كثيرة: مرشدين فتحوا الأبواب، وشركاء حملوا الحلم معي، ومجتمعاتٍ آمنت بالفكرة قبل أن ترى ثمارها.
جائزة قمة الريادة الاجتماعية هي الأولى من نوعها في المملكة الأردنية الهاشمية؛ مبادرةٌ تكرّم الأفراد والمؤسسات المكرَّسين لصناعة أثرٍ اجتماعي إيجابي عبر الإبداع والابتكار وريادة الأعمال. وهي في جوهرها احتفاءٌ بفكرةٍ بسيطة وثورية معًا: أن الغاية ليست بناء شركاتٍ تُحسن العدّ، بل مشاريع تُحسن الرفع؛ ترفع المجتمعات وتقود أثرًا يبقى بعد انطفاء الأضواء.
منحني التكريم لحظةً للنظر خلفي. فالريادة الاجتماعية طريقٌ لا يشبه الطرق: يتطلب مثابرةً ورؤيةً وقدرةً على الإبداع تحت الضغط، والأصعب من ذلك كله: إيمانًا لا يهتز بأن التغيير ممكن. كانت بوصلتي دائمًا تمكينَ الأفراد ورعاية المجتمعات وبناء حلولٍ تلامس الاحتياجات الجوهرية لا قشورها. وما يسمّيه الخبراء نظرية التغيير وقياس الأثر عشتُه أنا وجوهًا وقصصًا: شابٌّ وجد مهارته الأولى، وأمٌّ أطلقت مشروعها الصغير، ومجتمعٌ استعاد ثقته بقدرته على النهوض.
في قلب كل هذا يجلس الابتكار. فبناء نماذج أعمالٍ مستدامة، وتوظيف التقنية لحلّ تحدياتٍ اجتماعية، وتشجيع الشباب على قيادة المبادرات بدل انتظارها، كلها تجليّاتٌ لقناعةٍ واحدة: الإبداع ليس زينة العمل الاجتماعي بل عموده الفقري، وهو ما ترسّخه هذه الجائزة رسالةً لكل من يعمل في هذا الحقل.
إلى شبكتي ومتابعيّ وكل صانع تغييرٍ طامح: لا تنتظر جائزةً ولا إذنًا. فرصة صناعة الأثر بين يديك الآن؛ ابدأ صغيرًا، وفكّر كبيرًا، وقِس نجاحك بما يتحسّن في حياة الناس من حولك. أنا من جهتي ملتزمٌ بمواصلة الطريق: مشاركةُ ما تعلّمت، ودعمُ من يبدأ، وبناءُ مجتمعاتٍ أكثر صمودًا.
كل الشكر لبرنامج UNDP والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون والقائمين على قمة الريادة الاجتماعية على هذا التكريم الاستثنائي. هذه الجائزة ليست خطَّ نهاية؛ إنها وقودٌ إضافي لطريقٍ طويل، وتذكيرٌ بالمسؤولية التي نتقاسمها جميعًا: أن نترك المكان أفضل مما وجدناه.
انضم إلى المشتركين واستقبل آخر المقالات والتأملات في صندوق بريدك.

محمد العمار
أسمي محمد العمار. رائد أعمال، وصانع محتوى يتابعني أكثر من مليون شخص، وعملت ضمن الفريق التقني في شركة Apple.