
المدن الكبرى تخبّئ مواعيدها في تفاصيل عابرة. في زيارتي الأخيرة إلى نيويورك، وبينما الشوارع تموج بالعابرين، وجدتُني وجهًا لوجه أمام Craig Federighi، النائب الأول لرئيس شركة Apple لهندسة البرمجيات، وأحد العقول التي صاغت الطريقة التي يلمس بها مليارا إنسانٍ التقنية كل صباح.
مشينا وتحدّثنا، فذكّرتُه بأن طريقَينا تقاطعا أول مرة في مؤتمر WWDC، ثم قلتُ له ما أحمله أينما ذهبت: أنا من سوريا، من حمص تحديدًا، المدينة التي ينحدر منها الوالد البيولوجي لـ Steve Jobs. ابتسم بدفءٍ حقيقي، وسألني عمّا جاء بي إلى نيويورك.
كان جوابي أثقل من سؤاله: جئتُ من مقرّ الأمم المتحدة، حيث رُفع العلم السوري صباح ذلك اليوم لأول مرة منذ أربعة عشر عامًا على انطلاق الثورة. حاولتُ أن أنقل له وزن اللحظة: ملايين السوريين حول العالم رأوا في تلك القماشة الصاعدة على السارية سيرةَ وطنٍ كامل؛ سنواتِ الفقد، وعناد البقاء، وبداية فصلٍ يتلمّس طريقه نحو سوريا الجديدة.
أصغى Craig بانتباه من يعرف قيمة القصص، وقال إنه معجبٌ بقوة السوريين وتضحياتهم، سعيدٌ برؤية شعبٍ ينهض من تحت الركام. فمازحتُه بما يشبه الجدّ: «إذن حان الوقت لافتتاح متجر Apple في سوريا!» فردّ بابتسامته الهادئة التي يعرفها ملايين المتابعين لعروض Apple التقديمية.
ولأنني أعمل ضمن عائلة Apple أيضًا، انساب الحديث طبيعيًّا إلى شؤون الشركة، وصُوِّر مقطعٌ قصير من اللقاء بقي بلا صوتٍ احترامًا لخصوصية ما دار.
أفكّر كثيرًا في هندسة تلك اللحظة: صباحٌ يرفع علمًا غاب أربعة عشر عامًا، ومساءٌ يجمع ابن حمص بأحد قادة الشركة التي أسّسها ابنُ مهاجرٍ حمصي. ليست مصادفةً بقدر ما هي تذكيرٌ بأن خيوط التاريخ والهوية والابتكار تُنسج في أماكن أبعد من قاعات المؤتمرات: على رصيفٍ، في جملةٍ عابرة، في ابتسامةِ تقدير. غادرتُ اللقاء وأنا أخفّ وزنًا وأثقل يقينًا، مستحضرًا السبب الذي يجعلنا نواصل البناء: من أجل مجتمعاتنا، ومن أجل المستقبل، ومن أجل عالمٍ يتّسع لقصصنا كلها.
انضم إلى المشتركين واستقبل آخر المقالات والتأملات في صندوق بريدك.

محمد العمار
أسمي محمد العمار. رائد أعمال، وصانع محتوى يتابعني أكثر من مليون شخص، وعملت ضمن الفريق التقني في شركة Apple.