
ثمّة أماكن تعرض المستقبل، ومكانٌ واحد يتمرّن فيه المستقبل على نفسه قبل أن يطلّ علينا: معرض الإلكترونيات الاستهلاكية CES. في نسخة 2025 بلاس فيغاس، تحوّلت القاعات الممتدة إلى مدينةٍ كاملة من الغد، وأثبت الحدث مجددًا لماذا يظلّ المنصّة الأكثر تأثيرًا في صناعة التقنية العالمية: لأنه لم يعد يكتفي بإبهار الزوّار، بل صار يعيد رسم العلاقة بين التقنية والإنسان.
هيمن الذكاء الاصطناعي على المشهد، لكن بنبرةٍ جديدة: نبرة النضج. فالذكاء الاصطناعي التوليدي غادر طور الدهشة إلى طور المنفعة، بتطبيقاتٍ تعِد بتحويل صناعة المحتوى والتشخيص الطبي والمساعدة الشخصية من رفاهيةٍ إلى بنيةٍ تحتية يومية. أمّا الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي فخرجت من أفلام الخيال إلى خطوط التصنيع والحقول الزراعية وفرق الاستجابة للكوارث، في إشارةٍ واضحة إلى أن السؤال لم يعد «ماذا تستطيع هذه التقنية؟» بل «أين نحتاجها أولًا؟».
الملاحظة الثانية التي رافقتني بين الأجنحة: الاستدامة لم تعد زاويةً تسويقية في ركن المعرض، بل صارت مخطَّطَ عملٍ كامل. شركاتٌ ناشئة وعمالقةُ صناعةٍ على حدٍّ سواء قدّموا أجهزةً موفِّرة للطاقة، وأنظمةَ إدارة نفاياتٍ تقودها الخوارزميات، وحلولًا في الطاقة المتجددة تعامل المناخ بوصفه قيدَ تصميمٍ لا بندَ علاقاتٍ عامة. إنه تحوّلٌ يعكس نضوج القطاع أمام مسؤوليته البيئية العالمية.
من المنازل التي تديرها الخوارزميات إلى المركبات المتصلة، كان مفهوم «الحياة الذكية» حاضرًا في كل ممر. تقنيات المنزل الذكي دمجت الأمان وإدارة الطاقة والترفيه في نسيجٍ واحد سلس، بينما عرضت المركبات ذاتية القيادة قفزاتٍ في السلامة وكفاءة الطاقة وتجربة الاستخدام، ملمّحةً إلى مستقبلٍ يصبح فيه التنقّل خدمةً محيطية لا مجهودًا يوميًّا.
حضرتُ CES 2025 هذا العام ممثِّلًا إعلاميًّا مدعوًّا، وكان لذلك طعمٌ خاص: أن تقف حيث تُتَّخذ نبضات المستقبل الأولى، وتشاهد التقنيات قبل أن تحمل أسماءها التجارية النهائية. بين الأجنحة المزدحمة، أدهشني أمران: سرعةُ التقدّم، وعمقُ النقاش. فالجلسات حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والاستدامة كانت بالنسبة إليّ أهم من الأجهزة نفسها؛ لأن شيئًا أن ترى التقنية تحلّ المشكلات، وشيئًا آخر أن ترى مبتكريها يلتزمون بحلولٍ تخدم الإنسان والكوكب معًا.
غادرتُ لاس فيغاس بخلاصةٍ واحدة: التقنية لم تعد تتطور لتُبهرنا، بل لتلاقي مشكلاتنا الواقعية في منتصف الطريق. ومع انتقال الذكاء الاصطناعي وأخواته من الفكرة إلى البنية التحتية، تصبح إمكانات بناء عالمٍ أذكى وأكثر ترابطًا واستدامةً مفتوحةً بلا سقف. كانت مشاركتي في CES محطةً سأعتزّ بها طويلًا، وما رأيتُه هناك سيغذّي محتواي وقناعاتي لأشهرٍ قادمة. ترقّبوا التفاصيل؛ فالمستقبل الذي تمرّن أمامي يستحق أن يُروى.
انضم إلى المشتركين واستقبل آخر المقالات والتأملات في صندوق بريدك.

محمد العمار
أسمي محمد العمار. رائد أعمال، وصانع محتوى يتابعني أكثر من مليون شخص، وعملت ضمن الفريق التقني في شركة Apple.