
في نيويورك، وفي الأسبوع الذي تتحوّل فيه المدينة إلى عاصمةٍ للعالم على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، دخلتُ قاعات قمة Concordia السنوية 2023، أحد أكثر المنتديات العالمية تركيزًا للنفوذ والنوايا معًا. لم تكن مجرّد فعالية أخرى في رزنامة المؤتمرات، بل بوتقةً حقيقية تُصهر فيها الأفكار: صانعو سياساتٍ إلى جوار رؤساء تنفيذيين، وناشطون يجادلون مستثمرين، ومبتكرون يعرضون حلولًا لأكثر تحديات عصرنا إلحاحًا.
منذ اللحظة الأولى، شعرتُ أنني أمشي داخل ما يسمّيه أهل هذا الحقل قوة الجمع: تلك القدرة النادرة على وضع أصحاب المصلحة المتباينين، حكوماتٍ وقطاعًا خاصًّا ومجتمعًا مدنيًّا، حول طاولةٍ واحدة، حيث تتحوّل الخطابات إلى شراكاتٍ قابلة للتنفيذ. ضجّت القاعات بحواراتٍ عن الاستدامة والتقنية والسياسات وريادة الأعمال، وكان الامتياز الأكبر ألّا تستمع فحسب، بل أن تحاور: التقيتُ صانعي قرارٍ وقادةَ شركاتٍ وناشطين، في أحاديث فتحت نوافذ على القضايا العالمية من زوايا لم أعتدها.
وبصفتي منغمسًا في التقنية والتنمية المجتمعية وريادة الأعمال، وجدتُ في القمة منجمًا مفتوحًا. رسّخت النقاشات قناعةً تكبر عندي عامًا بعد عام: التغيير الحقيقي لا تصنعه مؤسسةٌ واحدة مهما عظمت، بل تحالفاتٌ عابرة للقطاعات تتقاسم المخاطر والرؤية معًا. لم يكن الحضور استماعًا سلبيًّا، بل تبادلًا للمنظورات وبناءً للجسور وبحثًا مشتركًا عن سبل العمل، وهو ما وسّع معرفتي وشبكة علاقاتي في آنٍ واحد بطرقٍ لم أتوقعها.
التشبيك في Concordia لا يشبه تبادل بطاقات العمل في الفعاليات التقليدية؛ إنه استثمارٌ في رأس المال الاجتماعي بمعناه الأعمق: صلاتٌ حقيقية مع قادةٍ من قطاعاتٍ ودولٍ مختلفة، قد تنضج غدًا تعاوناتٍ ومشاريع. وبصفتي صانعَ محتوًى، رأيتُ في كل جلسةٍ مادةً تستحق النقل: شاركتُ عبر Instagram لحظاتِ الكواليس ونبضَ القاعات، وتعمّقتُ عبر LinkedIn في الخلاصات الكبرى وكيف يمكن لهذه الحوارات أن تُلهم روّاد الأعمال أمثالي، ليكون جمهوري شريكًا في التجربة لا متفرجًا عليها.
غادرتُ القمة بيقينٍ بسيط وكبير: الحوار حين يُدار بنيّة العمل يتحوّل من ترفٍ دبلوماسي إلى أداة تغيير. وهذا بالضبط دور المؤثّرين وروّاد الأعمال وصانعي التغيير في زمننا: أن يجلسوا حيث تُصاغ القرارات، وأن يعيدوا سرد ما يجري هناك لجمهورٍ يستحق أن يعرف.
أنا ممتنٌّ لكل حوارٍ وكل مصافحةٍ وكل فكرةٍ حملتُها من نيويورك، وعازمٌ على تحويلها محتوًى وعلاقاتٍ ومشاريع. نخبُ مستقبلٍ تصوغه الطاولات المشتركة لا الجدران العالية.
انضم إلى المشتركين واستقبل آخر المقالات والتأملات في صندوق بريدك.

محمد العمار
أسمي محمد العمار. رائد أعمال، وصانع محتوى يتابعني أكثر من مليون شخص، وعملت ضمن الفريق التقني في شركة Apple.