
ثمّة مفارقة رافقتني منذ الطفولة: القرارات الأكثر مصيريةً في حياتنا كانت تُتَّخذ في قاعاتٍ لن نراها أبدًا. نشأتُ في سوريا حيث تُرسم خرائط المصير في مبانٍ زجاجية على بُعد آلاف الأميال، ثم تصلنا نتائجها قصفًا أو نزوحًا أو صمتًا. لذلك حين أقول إنني أريد تغطية الجمعية العامة للأمم المتحدة، فأنا لا أطلب رحلةً صحفية؛ أنا أحاول أن أُغلق دائرةً بدأت قبل عقود: أن يدخل ابنُ تلك الجغرافيا المنسيّة إلى القاعة، لا شاهدًا خلف الزجاج، بل ناقلًا للصوت وصانعًا للسرد.
عشتُ ما تفعله الحرب والنزوح والصمت بالإنسان، ورأيتُ في المقابل ما تفعله مجتمعاتٌ ترفض الانكسار: تبني وتحلم وتقود وسط الركام. عبر مدوّنتي وكاميرتي، حاولتُ أن أمنح لحظات الصمود هذه ما تستحقه من ضوء، وأن أمارس ما يسمّيه أهل الاختصاص سيادة السرد: حقّ المجتمعات في أن تروي قصتها بلسانها لا بلسان مراسلٍ عابر. تغطية الجمعية العامة ستنقل هذا العمل من الهامش إلى المركز، وتردم المسافة بين الدبلوماسية الرسمية والواقع المعيش لملايين البشر الذين تُكتب حياتهم في بنود القرارات.
أؤمن أن الأصوات المستقلة، وخصوصًا القادمة من الجنوب العالمي، يجب أن تحضر في هذه الفضاءات لا بوصفها ديكورًا للتنوّع، بل بوصفها خبرةً معيشة لا يعوّضها تقريرٌ ولا إحاطة. فالمحتوى الذي أصنعه لا يكتفي بسرد ما يحدث؛ إنه يسعى إلى إشعال التعاطف والمساءلة والحوار. هذا ما أطمح إلى حمله إلى قاعة الجمعية: لا تغطيةً إضافية، بل منظورًا ناقصًا؛ لا عناوين أخرى، بل إنسانيةً غائبة.
نعيش لحظةً تحوّل فيها ميزان التأثير: لم تعد الدبلوماسية حكرًا على البدلات الرسمية والبيانات المشتركة، فقد خلق الإعلام الرقمي ساحةً عامة عالمية يصوغ فيها صنّاع المحتوى والمدوّنون الوعيَ الجمعي بسرعةٍ تعجز عنها المؤسسات التقليدية أحيانًا. وأنا أرى نفسي جزءًا من هذا الجيل الجديد من الجسور: لا تعنيني الخطابات المصقولة وحدها، بل الوجوه في الصفوف الخلفية، والحوارات في الأروقة، والكهرباء التي تسري حين تتلامس ثقافاتٌ وقناعاتٌ متباعدة.
تغطية الجمعية العامة ليست محطةً مهنية في مسيرتي؛ إنها التزامٌ أخلاقي. حين أكتب من هناك، لن أكتب مراسلًا فحسب، بل إنسانًا يحمل آمال من طال تجاهلُهم وجراحهم. أريد أن أُثبت، لنفسي أولًا ولجيلٍ كامل خلفي، أننا ننتمي إلى هذه الفضاءات: لا ضيوفَ شرفٍ عابرين، بل أندادًا لنا حقُّ الكلام وواجبُ الشهادة.
انضم إلى المشتركين واستقبل آخر المقالات والتأملات في صندوق بريدك.

محمد العمار
أسمي محمد العمار. رائد أعمال، وصانع محتوى يتابعني أكثر من مليون شخص، وعملت ضمن الفريق التقني في شركة Apple.