
في صباحٍ من صباحات أبريل الباردة في سان فرانسيسكو، وقفتُ أمام مركز موسكوني وأنا أحمل كاميرتي وشارة الإعلام على صدري، وفي رأسي سؤال واحد: كيف أنقل هذا الحدث لملايين الناس الذين يتابعونني على الطرف الآخر من الكوكب؟
لم أكن في HumanX 2026 كزائر عابر. كنت هناك بمهمة: أن أكون عينَ الجمهور العربي على واحد من أهم مؤتمرات الذكاء الاصطناعي في العالم، وأن أترجم ما يحدث على تلك المسارح الضخمة إلى لغة يفهمها شاب في حمص، ورائدة أعمال في الرياض، وطالب في عمّان.
الأرقام وحدها تحكي جزءاً من القصة: أكثر من 6,800 مشارك جاؤوا من 72 دولة، وأكثر من 300 متحدث على مدى أربعة أيام كاملة من 6 إلى 9 أبريل، و160 ساعة من المحتوى موزعة على خمسة مسارات متخصصة، وأكثر من 480 ممثلاً إعلامياً من كبرى المنصات العالمية. لكن ما لا تقوله الأرقام هو الشعور الذي ينتابك وأنت تمشي في تلك القاعات: إحساس بأنك تقف في اللحظة التي يُكتب فيها الفصل القادم من تاريخ التكنولوجيا.
على المسرح الرئيسي، افتُتح المؤتمر برؤية جريئة قدّمها ستيفان وايتز، المؤسس والرئيس التنفيذي، حول ما أسماه "طبقات الذكاء الاصطناعي الخمس": الشرائح، والبنية التحتية، والنماذج، والتطبيقات، والطاقة. وتوالت بعدها الأسماء التي اعتدنا قراءتها في العناوين: الدكتورة فاي-فاي لي التي يلقّبونها بالأم الروحية للذكاء الاصطناعي، ونائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل غور، وقادة من NVIDIA وAWS وOpenAI وAnthropic وPerplexity، وحتى راي كورزوايل بنبوءاته التي تحوّلت مع الزمن من خيالٍ علمي إلى خارطة طريق.
ما لفتني كصانع محتوى قبل أي شيء آخر: هذا المؤتمر لا يبيع منصّاته. لا أحد يدفع ليعتلي المسرح. كل اسم على تلك الخشبة وصل إليها لأن لديه ما يستحق أن يُقال، لا لأن لديه ما يدفعه. وهذا وحده يجعل كل جلسة تستحق الإصغاء.
في زحمة الأيام الأربعة، حدثت لحظة ما زلت أعود إليها بذهني حتى اليوم.
كنت أتوقع أن يكون مؤسس مؤتمرٍ بهذا الحجم شخصاً بالكاد تلمحه من بعيد، محاطاً بفريقه، يتنقل من موعد إلى موعد. لكن ستيفان وايتز كان شيئاً آخر تماماً. حين التقيته، لم أشعر أنني أتحدث إلى رئيس تنفيذي يدير حدثاً يضم آلاف الأشخاص، بل إلى شخصٍ يريد فعلاً أن يعرف من أنت، وماذا تفعل، ولماذا أتيت من هذا البعد كله.
أخبرته عن جمهوري العربي، عن الملايين الذين يتابعون التكنولوجيا بشغف من منطقتنا لكن نادراً ما يصلهم صوتٌ من داخل هذه القاعات بلغتهم. أصغى باهتمام حقيقي، ذلك النوع من الإصغاء الذي لا يمكن تمثيله. وفي تلك اللحظة فهمت لماذا يحمل هذا المؤتمر اسم HumanX: لأن الإنسان فعلاً في مركزه، بدءاً من مؤسسه.
خرجت من ذلك اللقاء بقناعة رسّخت شيئاً كنت أؤمن به دائماً: القادة الكبار ليسوا من يجعلونك تشعر بصغر حجمك أمامهم، بل من يجعلونك تشعر أن ما تفعله يستحق. وهذا أثرٌ سأحمله معي في كل مشاريعي القادمة.

محمد العمار و ستيفان وايتز مؤسس هيومن اكس
خلف كل جلسة سلسة، وكل انتقال دقيق بين المسارح، وكل تفصيلة صغيرة من لوحات الإرشاد إلى تنظيم اللقاءات الثنائية، كان هناك فريق يعمل بجهدٍ لا يراه الجمهور. أنا شخصياً غطيت مؤتمرات عالمية كثيرة، من Web Summit إلى CES، وأستطيع القول بثقة: مستوى التنظيم في HumanX كان من الأعلى الذي رأيته.
برامج التواصل المنسّقة مثل SolutionBridge وVentureConnect وMatchX لم تكن مجرد أسماء لامعة، بل أنظمة حقيقية أنتجت أكثر من 2,900 اجتماع ثنائي مدروس وما يزيد عن 39,000 علاقة مهنية جديدة. حين يخرج الحضور من مؤتمرٍ وقد عقدوا صفقات وشراكات فعلية لا مجرد تبادل بطاقات، فاعلم أن هناك فريقاً سهر على كل تفصيلة.
وهنا لا بد أن أتوجه بالشكر لباري سالمون، مدير الإعلام في HumanX، الذي جعل عمل مئات الإعلاميين وصنّاع المحتوى، وأنا منهم، تجربة سلسة واحترافية من اللحظة الأولى.
مهمتي الحقيقية لم تكن داخل القاعات، بل فيما يحدث بعدها. كل يوم، كنت أختصر ساعات من الجلسات إلى مقاطع ومنشورات تصل إلى جمهوري بالعربية: ما الذي قالته فاي-فاي لي عن الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان؟ ماذا يعني حديث آل غور عن المناخ والتكنولوجيا لمنطقتنا التي تعيش تحديات الطاقة والمياه؟ وكيف تستفيد الشركات الناشئة العربية من كل هذا التحول؟
وما حدث فاق توقعاتي. امتلأت رسائلي بأسئلة من متابعين في خمس عشرة دولة عربية على الأقل: "كيف نحضر النسخة القادمة؟"، "هل في جلسات مسجلة؟"، "شو أهم شي طلعت فيه من المؤتمر؟". شعرت حينها أن التغطية لم تكن نقلاً للأخبار، بل فتحاً لبابٍ كان كثيرون يظنونه مغلقاً في وجههم. حين يكتب لك شابٌ من قريةٍ صغيرة أنه بدأ يتعلم بناء وكلاء الذكاء الاصطناعي بسبب مقطعٍ نشرته من قاعة في سان فرانسيسكو، تدرك أن هذا هو المعنى الحقيقي لكلمة "تغطية إعلامية".
بعين المحب الذي عاش التجربة من الداخل، أرى أن أمام HumanX فرصاً ذهبية للنسخة القادمة في لاس فيغاس (7-10 مارس 2027):
أولاً، الجمهور العالمي غير الناطق بالإنجليزية. مع حضورٍ من 72 دولة وملايين المتابعين حول العالم، يمكن لمبادرة بسيطة مثل ملخصات رسمية متعددة اللغات أو ترجمة فورية لأهم الجلسات الرئيسية أن تضاعف الأثر العالمي للمؤتمر أضعافاً، خصوصاً في أسواق صاعدة متعطشة كالمنطقة العربية.
ثانياً، مساحة مخصصة لصنّاع المحتوى. الإعلام التقليدي كان حاضراً بقوة، لكن صنّاع المحتوى هم من يوصلون الحدث للجيل الجديد. ركن مجهّز للتصوير والمقابلات السريعة مع المتحدثين سيحوّل كل مؤثر حاضر إلى قناة بث عالمية للمؤتمر.
ثالثاً، جلسات عن الذكاء الاصطناعي في الأسواق الناشئة. القصص القادمة من خارج وادي السيليكون، من الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، تحمل زوايا لم تُروَ بعد، وجمهوراً ينتظر من يمثله على المسرح.
هذه ليست انتقادات، بل شهادة ثقة: المؤتمرات العادية نكتفي بحضورها، أما الاستثنائية فنحلم بأن نساهم في مستقبلها.
غادرت سان فرانسيسكو وأنا أحمل أكثر من مجرد ساعات من المواد المصورة. حملت قناعة بأن الذكاء الاصطناعي ليس قصة تُروى عن بُعد، بل مستقبلٌ يُبنى الآن، ومن حق جمهورنا العربي أن يكون جزءاً من بنائه لا مجرد متفرج عليه.
شكراً HumanX على الاستضافة، وشكراً ستيفان على القيادة الملهمة، وشكراً لكل فريقٍ عمل بصمت ليخرج هذا الحدث بهذه الصورة. وموعدنا في لاس فيغاس.
إلى اللقاء في HumanX 2027.
انضم إلى المشتركين واستقبل آخر المقالات والتأملات في صندوق بريدك.

محمد العمار
أسمي محمد العمار. رائد أعمال، وصانع محتوى يتابعني أكثر من مليون شخص، وعملت ضمن الفريق التقني في شركة Apple.