
لكل مدينةٍ مادةُ بناءٍ تُعرف بها: الحجر، أو الزجاج، أو الفولاذ. أمّا بوسطن فمادّتها الأفكار. أدركتُ ذلك خلال أسبوع Startup Boston 2023، حيث تحوّلت المدينة إلى معرضٍ حيّ لواحدةٍ من أنضج منظومات الابتكار في الولايات المتحدة: مؤسِّسون ومستثمرون وأصحاب رؤى من قطاعاتٍ شتى، اجتمعوا لتشريح تحديات عالم الشركات الناشئة وفرصه. وبصفتي رائدَ أعمال وصانعَ محتوى، لم أكن زائرًا يدوّن الملاحظات، بل ابنَ هذا المجتمع يستعيد لغته الأم.
«يزدهر الابتكار حيث يلتقي الفضول بالتواصل، وكل خطوةٍ نحو ملتقًى للأفكار هي خطوةٌ نحو صياغة المستقبل.»
- Mohammad Alammar
كانت الجلسات منجمًا مفتوحًا: حلقاتُ نقاشٍ عن توسيع الشركات ورفع الاستثمارات، وورشُ عملٍ عن توظيف التقنيات الناشئة، وقصصٌ واقعية من مؤسِّسين يعرفون ثمن كل قرار. ما جمعها خيطٌ واحد: النجاح لا يولد من الفكرة اللامعة بل من تقاطع الإبداع مع الانضباط في حلّ المشكلات. وقد خرجتُ من كل حوارٍ بدرسٍ في الصمود أو التكيّف أو قراءة السوق، دروسٌ لا تجدها في الكتب لأن أصحابها دفعوا ثمنها من أعمارهم.
أمّا التشبيك فكان القلب النابض للأسبوع؛ لا بمعنى تبادل البطاقات، بل بمعناه الأعمق: بناء صلاتٍ قد تصير غدًا شراكةً أو إرشادًا أو رفقة طريق. فالانغماس في بيئةٍ مشبعة بالطاقة الريادية يذكّرك بحقيقةٍ بسيطة: المجتمع ليس رفاهيةً في رحلة البناء، بل بنيتها التحتية الخفية.
ولأن بوسطن لا تُختصر في قاعات المؤتمرات، اغتنمتُ الفرصة لزيارة صرحَيها الأشهر. في جامعة Harvard مشيتُ بين مبانٍ تختزن قرونًا من المعرفة، وشعرتُ بثقل المكان الذي تخرّج فيه قادةٌ ومفكّرون غيّروا مجرى العالم؛ التاريخ هناك ليس ذكرى بل حضورٌ يمشي معك في الممرات.
وفي MIT كان الشعور معكوسًا ومكمّلًا: هنا يسكن المستقبل. جالت عيناي في متحف المعهد بين معارض الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية، حيث تقف وجهًا لوجه أمام التقنية العميقة التي ستعيد تعريف حياتنا بعد عقد. رؤية هذه الإنجازات عن قربٍ رسّخت قناعتي بأن حدود الممكن ليست جدارًا بل أفقًا يتراجع كلما تقدّمنا نحوه.
وثّقتُ الرحلة كلها لجمهوري: على Instagram نقلتُ نبض القاعات وصور الحرمَين، وعلى LinkedIn حلّلتُ الخلاصات الكبرى وما تعنيه لروّاد الأعمال في منطقتنا. غادرتُ بوسطن وأنا أحمل يقينًا متجددًا: ابقَ فضوليًّا، وابقَ موصولًا؛ فالفضول يفتح الأبواب، والتواصل يبقيها مفتوحة. نخبُ الرحلة المقبلة!
انضم إلى المشتركين واستقبل آخر المقالات والتأملات في صندوق بريدك.

محمد العمار
أسمي محمد العمار. رائد أعمال، وصانع محتوى يتابعني أكثر من مليون شخص، وعملت ضمن الفريق التقني في شركة Apple.